رأى نائب رئيس حركة "النهضة" والنائب الأول لمجلس نواب الشعب التونسي، ​عبدالفتاح مورو​، انه "لا نزال في حراك، والخيبات مفهومة، فأهل الثورات ينشدون سُرعة الإنجاز من دون أثمان وتعب"، لافتاً الى ان "الملاحظ أن "داعش" وأمثاله، بما هي من دولة ونهج وأفكار تتفشى كالأخطبوط، فرضت نفسها محوراً غير معلن في جدول الأعمال. ولم يكن ذلك باستثناء في حوارنا مع مورو، انطلاقاً من صفته الدينية قبل السياسية".

واعتبر مورو في حديث للـ"النهار" بأن "التوجس من الإسلاميين طبيعي، فهم لا يفصحون عن برامجهم، ونظرتهم إلى المجتمع الفاضل الذي ينادون به غير واقعية في كثير من الأحيان ولا تعكس الراهن المجتمعي، وقد جنح بعضهم إلى السلاح والديكتاتورية"، لافتاً الى ان "الناس لا يفرقون بين إسلامي وآخر، مع أنهم ليسوا كياناً متجانساً. هناك مؤمنون بمبدأ الشورى وتداول السلطة وحقوق النساء، وآخرون يفتون بقتل كل من يخالفهم الرأي، ولو كان شديد الالتزام الديني. ألم يحدث ذلك في سوريا؟"، مؤكداًَ ان "الإسلام ليس نصيراً للديكتاتورية، لكن الشعوب المسلمة غير حرة، وقد استنبط البعض فهماً للإسلام يبرر الأحادية والاستبداد. النهج الديكتاتوري وجد في هؤلاء استمراراً وغطاء مناسباً".

ماذا يدفع شاباً من تونس الى القتال في سوريا، اجاب: "انها عوامل اجتماعية وتربوية ومادية تتفاعل مع سوء فهم للدين يرقى إلى حد الجهل به"، مضيفاً: "بين عشية وضحاها، يصير فقيرٌ مهمشٌ شيخاً داعية وأملاً للأمة ويتحول "داعش" أداة للترقي ويفقد الوطن معناه فلا تعود تونس تعني شيئاً".

وشدد مورو على أن "التصدي لتلك الظاهرة يتجاوز الأمن إلى التربية والثقافة، ذلك أن "الإسلاميين يجب أن يُوجهوا إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية والفلسفة والاقتصاد والعمران والصحافة والاتصال. ورجال الدين حالياً جزء من المشكلة، فمعرفة أصول الدين لا تكفي لفهم الوقائع الاجتماعية. وهذا سبب قصورهم عن التأثير وصعود الجاهلين بثقافتي العصر والإسلام معاً"، موضحأً ان "صراعنا مع "داعش" فكري في المقام الأول، فالتشدد يتصدر المشهد لغياب القيادة الإسلامية الفاهمة لواقعنا وفساد الحكام وتخبط النخب. وما الأزهر وجامعة الزيتونة إلا مؤسسات تقليدية لم تُطعَم بالعلوم الإنسانية". ولهؤلاء الشبان أقول إن "عليهم الانفتاح على أوطانهم، فالأمة هدف بعيد من دون بناء وطن. لنكن أبناء قرننا ونعش في زمننا، نمزج فهم الإسلام بالعلوم الإنسانية"، مشيرأً الى أن "حلول الخليفة عمر بن الخطاب ليست بالضرورة صالحة اليوم. واستنساخ أنماط اقتضاها واقعٌ محددٌ خطأ، وهذا خلاف أساسي مع السلفيين".

واعتبر مورو ان "الخلاف المذهبي المتفاقم بين السُنة والشيعة في إطار استجلاب واقع تاريخي متشنج، مع العلم أن الانقسام في حينه بدأ سياسياً وتحول عقائدياً في زمننا هذا".

وعن تونس،اوضح مورو ان "الرئيس لا يحكم في نظام برلماني، وسلطة تنفيذية يجسدها فريق حكومي إداري وبرلمان ضعيف. الحياة السياسية ثقيلة وهشة في الوقت نفسه، و"النهضة" تتحفظ عن اقتراح مبادرات سياسية"، موضحاً أنها "أدركت عدم نجاح تجربتها واستحالة حكم الحزب الواحد. المطبات بعدُ قائمة، والإنقاذ مسؤولية الجميع، ويبدأ بالعودة إلى جذور ثورة 2011، والتصدي للبطالة والمشاكل الاجتماعية.

وبطبيعة الحال، لا يمكن ذكر الثورات العربية من دون سوريا، وقد ناقشنا راهنها مع مورييل أسبورغ، عضو قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين".

اضاف: "كما في أفغانستان، تحول صراع محلي في سوريا أرضاً مشرعة للحروب من بعد، وفيها اشتد الخلاف التقليدي بين السعودية وإيران، ولم يعد الأمر يتعلق بالديمقراطية ومصير نظام الرئيس بشار الأسد. ومع الإقرار بشدة القمع الممارس، فإن أسبورغ ترى أن الخطأ الأكبر الذي ارتكبته المعارضة هو التسلح. نسأل، هل كان في اليد خيار آخر؟ فتصمت برهة ثم تجيب "كانوا يظنون أن في وسعهم الفوز" في صراع تحول سوقاً مفتوحة للتسلح واستجلبَ تدخلَ "حزب الله" حتى قبل وصول المقاتلين الأجانب من كل أصقاع الأرض، و"لكن لا يمكن أحداً أن يحسم عسكرياً في سوريا"، معتبراً ان "الرقة" لو استعادها النظام، لن ترضى المعارضة، ولو حررتها هذه، ستقصفها القوات النظامية، وهكذا دواليك".

وراى مورو انه "وفد صارت البلاد موطئ القدم الأول لكيان داعش"، فإن الحل السياسي ممكن نظرياً، لكن المتاح حالياً تسوية شكلية لا تقارب العمق. و"في الانتظار، على المجتمع الدولي عدم إغفال العراق. فالإنجاز العسكري فيه ممكن، وذلك سيقود تلقائياً إلى مسار سياسي واقعي وتبديد الإحباط السني الذي يغذي "داعش".